Penjelasan Jual Beli As-Salam Ibnul Qayyim

قال ابن القيم رحمه الله تعالى فى زاد المعاد { 5 / ( 807 – 813 ) } :

{ ذِكرُ حُكمِ رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى منع الرجلِ مِن بيع ما ليس عنده } :
فى “السُّنَنِ” و”المسند” من حديث حَكيم بن حزام قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ يأتينى الرجلُ يسألنى من البيع ما ليس عندى، فأبيعه منه، ثم أبتاعُه مِن السوق، فقال “لاَ تَبعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ” قال الترمذى: حديث حسن.
وفى “السنن” نحوه من حديث ابن عمرو رضى الله عنه، ولفظه: “لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فى بَيْع، وَلاَ ربْحُ مَا لَم يُضْمَنْ، ولاَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ” قال الترمذى: حديث حسن صحيح.

فاتفق لفظُ الحديثين على نهيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظُ مِن لفظه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يتضمن نوعاً مِن الغَرَرِ، فإنه إذا باعه شيئاً معيناً، ولَيس فى ملكه ثم مضى لِيشتريه، أو يسلمه له، كان متردداً بينَ الحصول وعدمه، فكان غرراً يشبه القِمَار، فَنُهِىَ عنه. وقد ظنَّ بعضُ الناس أنه إنما نهى عنه، لكونه معدوماً، فقال: لا يَصِحُّ بيعُ المعدوم، وروى فى ذلك حديثاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَنْ بَيْعِ المَعْدُومِ، وهذا الحديثُ لا يُعرف فى شىء مِن كتب الحديث، ولا له أصلَ، والظاهر أنه مروى بالمعنى من هذا الحديث، وغَلِظَ مَنْ ظَنَّ أن معناهما واحد، وأن هذا المنهى عنه فى حديث حكيم وابن عمرو رضى الله عنه لا يلزمُ أن يكون معدوماً، وإن كان، فهو معدوم خاص، فهو كبيع حَبَلِ الحَبَلةِ وهو معدوم يتضمن غرراً وتردداً فى حصوله.
والمعدوم ثلاثةُ أقسام: معدوم موصوف فى الذمة، فهذا يجوز بيعُه اتفاقاً، وإن كان أبو حنيفة شرط فى هذا النوع أن يكون وقت العقد فى الوجود من حيثُ الجملة، وهذا هو السَّلَمُ، وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.
والثانى: معدوم تبع للموجود، وإن كان أكثرَ منه وهو نوعانِ: نوع متفق عليه ونوع مختلَف فيه، فالمتَّفَق عليه بيعُ الثمار بعد بدو صلاح ثمرة واحدة منها، فاتفق الناسُ على جواز بيع ذلك الصنف الذى بدا صلاحُ واحدة منه، وإن كانت بقية أجزاء الثمار معدومةً وقتَ العقد، ولكن جاز بيعها للموجود، وقد يكون المعدومُ متصلاً بالموجود، وقد يكون أعياناً أخر منفصلة عن الوجود لم تُخلق بعد.
والنوع المختلف فيه كبيع المقاثىء والمباطخ إذا طابت، فهذا فيه قولان، أحدهما: أنه يجوزُ بيعُها جملة، ويأخذها المشترى شيئاً بعد شىء،

كما جرت به العادة، ويجرى مجرى بيع الثمرة بعد بُدُوِّ صلاحها، وهذا هو الصحيحُ مِن القولين الذى استقر عليه عمل الأمة، ولا غنى لهم عنه، ولم يأتِ بالمنع منه كتابٌ ولا سنة ولا إجماع، ولا أثر ولا قياس صحيح، وهو مذهب مالك وأهلٍ المدينة، وأحد القولين فى مذهب أحمد، وهو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية.
والذين قالوا: لا يُباع إلا لُقْطَةً لا ينضبِطُ قولُهم شرعاً ولا عُرفاً ويتعذَّرُ العملُ به غالباً، وإن أمكن، ففى غاية العسر، ويؤدى إلى التنازع والاختلاف الشديد، فإن المشترى يُريد أخذَ الصغار والكِبار، ولا سيما إذا كان صغاره أطيب من كباره والبائع لا يُؤثر ذلك، وليس فى ذلك عرف منضبط، وقد تكون المقثأة كثيرةً، فلا يستوعِبُ المشترى اللُّقطة الظاهرة حتى يحدث فيها لُقطة أخرى، ويختلط المبيع بغيره، ويتعذَّرُ تمييزُه، ويتعذر أو يتعسَّر على صاحب المقثأة أن يُحْضِرَ لها كُلَّ وقت مَن يشترى ما تجدَّد فيها، ويُفرده بعقد، وما كان هكذا، فإن الشريعة، لا تأتى به، فهذا غيرُ مقدورٍ ولا مشروع، ولو أُلزم الناسُ به، لفسدت أموالُهم وتعطلَّت مصالِحُهمْ ثم إنَّه يتضمن التفريقَ بينَ متماثلين مِن كل الوجوه، فإن بُدو الصَّلاحِ فى المقاثىء بمنزلة بُدوِّ الصلاح فى الثمار، وتلاحقُ أجزائها كتلاحُقِ أجزاءِ الثِّمارِ، وجَعْلُ ما لم يُخلق منها تبعاً لما خُلِقَ فى الصورتين واحدٌ، فالتَفريقُ بينهما تفريق بين متماثلين.
ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لُقْطَةً لُقْطَةً مِن الفساد والتعذُّرِ قالوا: طريقُ رفع ذلك بأن يبيعَ أصلَها معها، ويقال: إذا كان بيعُها جملةً مفسدة عندكم، وهو بيعٌ معدوم وغرر، فإن هذا لا يرتفعُ ببيع العروقِ التي لا قيمة لها، وإن كان لها قيمة، فيسيرة جداً بالنسبة إلى الثمن المبذول، وليس للمشتري

قصدٌ في العروق، ولا يدفع فيها الجملةَ مِن المال، وما الذي حصل ببيعِ العُروق معها مِن المصلحة لهما حتى شرط، وإذا لم يكن بيعُ أصول الثمارِ شرطاً في صِحة بيعِ الثمرة المتلاحقةِ كالتينِ والتُوت وهي مقصودة، فكيف يكونُ بيعُ أصولِ المقاثىء شرطاً في صحة بيعها وهي غيرُ مقصودة، والمقصودُ أن هذا المعدومَ يجوزُ بيعُه تبعاً للموجود، ولا تأثيرَ للمعدُومِ، وهذا كالمنافع المعقودِ عليها في الإِجارة، فإنها معدومة، وهي مورد العقدَ، لأنها لا يُمكِنُ أن تَحْدُثَ دفعةً واحدة، والشَرائعُ مبناها على رعاية مصالح العباد، وعدم الحجر عليهم فيما لا بُدَّ لهم منه، ولا تتمُّ مصالِحُهم في معاشهم إلا به.
فصل
الثالث: { معدوم لا يُدرى يحصُل أو لا يحصُل، ولا ثقة لبائعه بحصوله، بل يكونُ المشتري منه على خطر }
فهذا الذي منع الشارعُ بيعَه لا لِكونه معدوماً، بل لكونه غَرَراً، فمنه صورةُ النهي التي تضمنها حديث حكيم بن حزام وابن عمر رضي الله عنهما، فإن البائعَ إذا باعَ ما ليس في مُلكه، ولا له قُدرة على تسليمه، ليذهب ويحصله، ويسلمه إلى المشتري، كان ذلك شبيهاً بالقمار والمخاطرة مِن غير حاجة بهما إلى هذا العقدِ، ولا تتوقَّفُ مصلحتُهما عليه، وكذلك بيعُ حَبَلِ الحَبَلَةِ- وهو بيعُ حمل ما تحمِلُ ناقتُه-، ولا يختصُّ هذا النهي بحمل الحمل، بل لو باعه ما تحمِلُ ناقتُه أو بقرتُه أو أمتُه، كان مِن بيوع الجاهلية التي يعتادونها.
وقد ظنَّ طائفة أن بيعَ السَّلَمِ مخصوصٌ مِن النهي عن بيع ما ليسَ عنده، وليس هو كما ظنُّوه،

فإن السلمَ يرد على أمر مضمون في الذمة، ثابتٍ فيها، مقدورٍ على تسليمه عند محله، ولا غرر في ذلك، ولا خطر، بل هو جعل المال في ذمة المسلَّم إليه، يجب عليه أداؤُه عند محله، فهو يُشبه تأجيلَ الثمن في ذمة المشتري، فهذا شغلٌ لِذمة المشتري بالثمن المضمون، وهذا شغلٌ لذمة البائع بالمبيع المضمون، فهذا لون، وبيعُ ما ليس عنده لونٌ، ورأيتُ لشيخنا في هذا الحديث فصلاً مفيداً وهذه سياقته.
قال: للناس في هذا الحديثِ أقوالٌ قيل: المرادُ بذلك أن يبيعَ السِّلعةَ المعينة التي هي مال الغير، فيبيعُها، ثم يتملَّكُها، ويُسلمها إلى المشتري، والمعنى: لا تَبعْ ما ليسَ عِنْدَك من الأعيان، ونقل هذا التفسير عن الشافعي، فإنه يُجوِّز السلمَ الحال، وقد لا يكون عند المسلم إليه ما باعه، فحمله على بيع الأعيان، ليكون بيع ما في الذمة غَير داخل تحته سواءً كان حالاً أو مؤجلاً.
وقال آخرون: هذا ضعيف جداً، فإن حكيم بن حزام ما كان يبغ شيئاً معيناً هو ملك لغيره، ثم ينطلِقُ فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلبُ عبد فلان، ولا دارَ فلان، وإنما الذي يفعلُه الناسُ أن يأتيَه الطالبُ، فيقولُ: أريدُ طعاماً كذا وكذا، أو ثوباً كذا وكذا، أو غير ذلك، فيقول: نعم أعطيك، فيبيعه منه، ثم يذهب، فيحصله من عند غيره إذا لم يكن عنده، هذا هو الذي يفعله من يفعلُه مِن الناس، ولهذا قال: “يأتيني فيطلب مني المبيع ليس عندي” لم يقل يطلب مني ما هو مملوك لغيري، فالطالبُ طلب الجنسَ لم يطلُبْ شيئا معيناً، كما جرت به عادةُ الطالب لما يُؤكل ويُلبس ويُركب، إنما يطلب جنس ذلك، ليس له غرض في ملك شخص بعينه دون ما سواه، مما هو مثلُه أو خيرٌ منه،

ولهذا صار الإِمامُ أحمد وطائفةٌ إلى القول الثاني، فقالوا: الحديثُ على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السَّلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديثُ بجوازِ السَّلَمِ المؤجلِ، فبقي هذا في السَلَمِ الحالَ.
والقول الثالث – وهو أظهر الأقوال -: إن الحديثَ لم يرد به النهي عن السلم المؤجَّل، ولا الحال مطلقاً، وإنما أريد به أن يبيعَ ما في الذمة مما ليس هو مملوكاً له، ولا يقدِرُ على تسليمه، ويربح فيه قبل أن يَملِكه، ويضمنه، ويقدر على تسليمه، فهو نهي عن السلم الحالى إذا لم يكن عند المستسلِفِ ما باعه، فليزم ذمته بشيء حالٍّ، ويربح فيه، وليس هو قادراً على إعطائه، وإذا ذهب يشتريه، فقد يحصُل وقد لا يحصُل، فهو مِن نوع الغرر والمخاطرة، وإذا كان السلم حالاًّ، وجب عليه تسليمُه في الحال، وليس بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يَملكه ويضمنه، وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكونُ قد عمل شيئاً، بل أكل المال بالباطل، وعلى هذا فإذا كان السَّلم الحالُّ والمسلم إليه قادراً على الإِعطاء، فهو جائز، وهو كما قال الشافعي إذا جاز المؤجَّل، فالحالُّ أولى بالجواز.
ومما يُبين أن هذا مرادُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يجز بيعُ ذلك، فبيعُ المعين الذي لم يملكْه أولى بالمنع، وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، فإنما سأله عن بيعه حالاًّ، فإنه قال: أبيعُه، ثم أذهب فأبتاعه، فقال له: “لاَ تَبْع ما لَيْس عِنْدَكَ”، فلو كان السلفُ الحال لا يجوزُ مطلقاً، لقال له ابتداء: لا تبع هذا سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحبَ هذا القول يقول: بيعُ ما في الذمة حالاًّ لا يجوز، ولو كان عنده ما يُسلمه، بل إذا كان عنده، فإنه لا يبيع إلا

معيناً لا يبيع شيئاً في الذمة، فلما لم ينه النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك مطلقاً، بل قال: “لاَ تَبعْ ما ليس عندك”، علم أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرَّق بين ما هو عنده ويملِكه ويقدِر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة.
ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أن القولَ الثالثَ هو الصوابُ . ” انتهي .

Comments are closed.